عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
200
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
حكمة إلهية ، وذلك أن الظلمة الطبيعية التي تسلط بها إبليس عليهم وأقسم أنه يغويهم هي عينهم القائدة لهم إلى النار ، بل هي عين النار ، لأن الطبيعة المظلمة هي النار التي يسلطها اللّه تعالى على قلوب المفسدين ، فلا يتبع إبليس أحد إلا من دخلها ، ومن دخلها فقد دخل النار ، فانظر إلى هذه الحكمة الإلهية كيف أبرزها اللّه تعالى برقيق إشارة ودقيق عبارة ، ليفهمه من يستمع القول فيتبع أحسنه ، فافهم إن كنت ممن يفهم ، فديت من يعقل ما رمزت إليه ، وفديت من يعلم . [ فصل ] : وبعد أن شرعنا في الكلام على الحقيقة الإبليسية لا بد أن نتكلم على مظاهره وتنوعاته وآلاته التي يستعين بها على الخلائق وتبيين شياطينه وحفدته وما هو خيله ورجله الذي ذكرهم اللّه تعالى في كتابه العزيز حيث قال : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً « 1 » . واعلم أن إبليس له في الوجود تسعة وتسعون مظهرا على عدد أسماء اللّه تعالى الحسنى ، وله تنوّعات في تلك المظاهر لا يحصى عدها ويطول علينا استيفاء شرح مظاهره جميعها ، فلنكتف منها على سبع مظاهر هي أمهات جميع تلك المظاهر ، كما أن السبعة النفسانية من أسماء اللّه تعالى أمهات جميع أسمائه الحسنى . وهذا أمر عجيب ، وذلك نكتة سرّ إيجاده من النفس الموجودة من ذات اللّه تعالى ، فافهم هذه الإشارة ولا تغفل عن هذه العبارة . واعلم أن مظاهره المذكورة هي هذه السبعة : المظهر الأول : هو الدنيا وما ينبت عليه كالكواكب والاستقصات والعناصر وغير ذلك . ثم اعلم أن إبليس لا يختص مظهره بأحد دون أحد ، ولكن غالبا يظهر لكل طائفة بما سنوي إليه ، ثم إنه إذا ظهرت على طائفة بمظهر لا يقتصر عليه بل لا يزال يتنوّع له في كل المظاهر حتى يسدّد عليه الأبواب ، ولا يترك له طريقا إلى الرجوع ، ولكنا لا نذكر من مظاهره في كل طائفة إلا ما هو الأغلب عليها ونترك الباقي ، لأنه يفعل بهم ما يفعل بغيرهم في المظاهر الباقية ، فظهوره على أهل الشرك في الدنيا وما بنيت عليه كالعناصر والأفلاك والاستقصات والأقاليم بهذه المظاهر للكفار
--> ( 1 ) آية ( 64 ) سورة الإسراء .